أبي حيان التوحيدي

308

المقابسات

91 مقابسة [ في كلمات بليغة وحكم رائعة وتعاريف فلسفية ] قد مرّ في هذه المقابسة التي تقدمت فنون من الحكمة وأنواع من القول ليس لي في جميعها إلا حظ النفس الراوية عن هؤلاء الشيوخ ، وإن كنت قد استنفدت الطاقة في تنقيتها وتوخى الحق فيها ، بزيادات يسيرة لا تصح إلا بها ، أو نقص خفى لا يبالي به ، وأنا أسألك أن تأخذ منها ما وافقك وتدع على ما بار عليك ، ولأجل ما سلف من القول في المسائل ما أحببت أن أحكى لك حدودا حصلناها على مر الزمان ، بعضها أخذ من أقوال العلماء وبعضها لقط من بطون الكتب ، بعد أن عرض الجميع من يوثق بصناعته ، ويرجع إلى نقده واختياره ، فاشركنى في فوائدها وهب لي من بعض استحسانك لها ، وتغمدني بكرمك وفضلك اللذين لا يستغنى مثلي عنهما ، واستقرّ أنى نقلت هذا الكتاب والدنيا في عيني مسودّة ، وأبواب الخير دونى منسدة ، بثقل المؤنة وقلة المعونة ، وفقد المؤنس بعد المؤنس ، وعثار القدم بعد القدم ، وانتشار الحال بعد الحال . هذا مع ضعف الركن ، واشتعال الشيب ، وخمود النار ، وأفول شمس الحياة ، وسقوط نجم العمر ، وقلة حصول الزاد ، وقرب الرحيل ، وإلى اللّه التوجه ، وعليه التوكل ، وبه المستعان ، ولا موفق غيره ، ولا معين سواه . وفي الجملة أسألك بالملح الذي يتقاسم به الفتيان ظرفا أن تعذرني [ في ] تقصير تعثر عليه ، فو اللّه ما شرعت في تحبير هذا الكلام ، وإيراد هذه الوجوه ، إلا شغفا بالعلم لا ثقة ببلوغ الغاية ، وأنت أولى من عذر ، كما أنى أحق من اعتذر . وهذا كله يجرى في مجالس مختلفة بين مشايخ الوقت بمدينه السلام